تُعدّ المنطقة الوسطى الموضعَ الذي تتجلّى فيه تنوّعات الجبل الأسود بأوضح صورها. ففي أحد طرفيها تقع تشيتينيه، مستقرةً في حوضٍ تحت سفح لوفتشن. وفي الطرف الآخر تمتد سهل زيتا، حيث تتلوّى الأنهار عبر الحقول الخصبة. وبينهما تنبض بودغوريتسا بإيقاعها الحضري، فيما تنبسط نيكشيتش في واديها الرحب، مطوّقةً بالبحيرات والجبال. أما دانيلوفغراد، القائمة في الحزام الأخضر لسهل بييلو بافليتشي، فتصل هذه النقاط بعضها ببعض، بينما تقف توزي في الجنوب حارسةً للبوابة المؤدية إلى ألبانيا وإلى بحيرة سكادار.
وهذه منطقة تتبدّل أمام ناظريك على امتداد الفصول. ففي الربيع تغدو خضراءَ معطّرة، وفي الصيف متّقدةً نابضةً بالحياة، وفي الخريف غنيّةً بالمحاصيل، وفي الشتاء ساكنةً يلفّها الضباب.
تكاد المنطقة الوسطى تبدو كأنها مؤلّفة من عوالم عدّة. فسهلَا زيتا وبييلو بافليتشي يقدّمان أكثر أراضي الجبل الأسود خصوبةً، وتتراصف في ربوعهما البيوت البلاستيكية والكروم والحدائق. وبينهما ترتفع كتل لوفتشن وماغانيك والتلال المحيطة بـ نيكشيتش، بينما تنفتح في الجنوب الشرقي المياه الرحبة لبحيرة سكادار. وتأتي أنهار موراتشا وزيتا وتسييفنا بالحياة، فتخلق واحات طبيعية آسرة.
ويجري رييكا تسرنوييفيتشا عبر مشاهد غنّاء نحو البحيرة، مخفياً جسوراً قديمةً وبيوتاً تبدو كأن الزمن توقّف عندها. أمّا بحيرات نيكشيتش وكروباتس وسلانو وفرتاتس فتتلألأ في الصيف وتستقطب الزوّار للنزهات اليومية، في حين تُعدّ تريبْييسا ملاذاً غابياً مثالياً في قلب المدينة.
وكلّ واحد من هذه المشاهد يروي حكاية مختلفة تماماً، غير أنّها جميعاً تنساب في كيان واحد مشترك.
يعيش في المنطقة الوسطى أكثر من نصف سكان الجبل الأسود. ولكلّ مدينة فيها طابعها الخاص. فـ بودغوريتسا حديثة، سريعة الإيقاع، منفتحة. ونيكشيتش قويّة، عمّالية الروح، زاخرة بالحيوية الثقافية. وتشيتينيه حميمة، تاريخية، رمزية. ودانيلوفغراد وادعة، أسرية الطابع، وزيتا خصيبة شديدة الصلة بالطبيعة، بينما توزي متنوّعة، تقليدية، وحارسة لهوية محلية راسخة.
ويعيش هنا المونتينيغريون والصرب والألبان والبوشناق وغيرهم من الجماعات. فالمنطقة الوسطى أشبه بفسيفساء من الثقافات والمسارات المختلفة التي تلتقي في الحياة اليومية. ففي توزي تُتداول عدة لغات، وفي زيتا تُصان العادات القديمة بعناية، وفي تشيتينيه ما يزال عبق العاصمة الملكية القديمة محسوساً. وفي نيكشيتش يبرز المرح والطاقة والعناد المحلي المعروف، بينما تجتمع في بودغوريتسا وفود الناس من كل أنحاء البلاد.
اقتصاد المنطقة الوسطى متنوّع. فـ بودغوريتسا هي المركز المحوري للخدمات والتجارة والتكنولوجيا ومؤسسات الدولة والاقتصاد الحديث. وهنا تُتخذ القرارات، وتتشكل الخطط والقوانين والاستثمارات. أما نيكشيتش فتحمل ثقل الصناعة الثقيلة والتعدين والطاقة والتصنيع. وتمتد منطقتها الصناعية نحو الحدود مع البوسنة والهرسك، بينما تواصل مصانع الجعة والعديد من المصانع الأخرى تقاليد تعود إلى عقود طويلة.
وتغذّي زيتا وتوزي بقية البلاد، إذ تنتج حقولهما الخضروات والفواكه والنبيذ والحبوب وكل ما تجود به الأرض. وتنمو دانيلوفغراد بثبات بين المركزين الكبيرين، وتتحول تدريجياً إلى الامتداد الشمالي العمراني لـ بودغوريتسا. أما تشيتينيه فتعتمد على الثقافة والمؤسسات والإدارة العامة والسياحة.
ولكل بلدية من هذه البلديات دورها الخاص، لكنها معاً تشكّل العمود الفقري لاقتصاد الجبل الأسود.
تُعدّ بودغوريتسا المركز الرئيس للتعليم في البلاد. ففيها تتركّز معظم الكليات والمعاهد ومراكز البحث والبرامج الأكاديمية. وتمنح تشيتينيه، بما تضمه من كليات للفنون والثقافة، الحياة الأكاديمية طابعاً مميزاً. أما نيكشيتش، بما فيها من كلية فقه اللغة وشبكة قوية من المدارس الثانوية، فتسهم في تعليم الشمال بأكمله. وفي زيتا وتوزي ودانيلوفغراد مدارس ابتدائية وثانوية منظّمة جيداً، تشكّل نقطة الانطلاق للشباب الذين يواصلون دراستهم لاحقاً في العاصمة.
تشيتينيه هي قلب التاريخ المونتينيغري. فمتاحفها وقصورها ومعارضها وأرشيفاتها تحفظ روح الدولة. وتقدّم بودغوريتسا مشهداً ثقافياً حضرياً يضم المسارح ودور السينما والمهرجانات والفعاليات الموسيقية والبرامج الفنية. أما نيكشيتش فمعروفة بفعالياتها النابضة بالحيوية مثل Lake Fest وBedem Fest.
وتحافظ توزي وزيتا على تقاليد راسخة من الفولكلور والاحتفالات القروية والمناسبات الدينية والمعارض الزراعية. فيما ترعى دانيلوفغراد الثقافة المحلية والساحات الحيوية والأمسيات الموسيقية واللقاءات التي تبعث الحياة في المدينة خلال الصيف.
تكاد المنطقة الوسطى لا تنفد من أماكن الرحلات والنزهات. فـ لوفتشن وإيفانوفا كوريتا ونييغوشي والضريح من أبرز معالم البلاد وأشدّها فخراً. وتتيح بحيرة سكادار جولات بالقوارب بين القصب، ومراقبة الطيور، واكتشاف القرى الخفية والبيوت الحجرية القديمة. وتجذب تسييفنا السباحين والمصورين بلونها الفريد وجمالها الأخّاذ. ويقدّم رييكا تسرنوييفيتشا مناظر تستحق أن تُخلّد على بطاقات بريدية.
ويجمع موراتشا بين قوة الوادي وهدوء المتنزّهات الحضرية. أما زيتا فنهر لطيف هادئ، مثالي للصيد. وبحيرات نيكشيتش واسعة ومنعشة في الصيف. وتريبْييسا وادعة، وتشيتينيه تستريح في ظل أشجار الزيزفون، فيما تكتسي دانيلوفغراد بخضرة السهل.
يمرّ تقريباً كلّ تنقّل داخل البلاد عبر المنطقة الوسطى. فـ بودغوريتسا تحتضن المطار وأكبر عقدة طرق في البلاد ومحطتها الرئيسة للسكك الحديدية. ونيكشيتش مرتبطة جيداً بخط حديدي محدّث. وتشكل دانيلوفغراد ممراً طبيعياً بين الشمال والجنوب. وتقع زيتا بمحاذاة المطار والمسار الرئيس للطرق السريعة. أما توزي فهي البوابة إلى ألبانيا، فيما تصل تشيتينيه المنطقة الوسطى بالساحل.
فالرحلات قصيرة، والمسافات متقاربة، والنظام بأكمله يعمل بوصفه شبكة مترابطة واحدة.
يرتكز العمود الفقري للرياضة في بودغوريتسا ونيكشيتش، لكن فرص الترفيه ماثلة في كل مكان. فالجبال قريبة، والأنهار أقرب. والناس يركضون، ويمارسون ركوب الدراجات، ويتنزّهون، ويسبحون في البحيرات، ويمشون على ضفاف الأنهار، ويقضون أوقاتهم في الهواء الطلق على مدار العام. وتمنح الأندية الرياضية والقاعات والملاعب والمراكز هذه المنطقة حركةً دائمةً وحيويةً متدفقة.
تُعدّ المنطقة الوسطى أكثر مناطق البلاد جاذبيةً للاستثمار. فـ بودغوريتسا تستقطب المشاريع السكنية والتجارية وقطاع تكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية والتجارة. وتوفّر نيكشيتش فضاءات صناعية وقدرات بشرية وإمكانات سوقية قوية. وتتحول زيتا إلى نقطة جذب للصناعات الزراعية ومراكز التوزيع. أما توزي فتتيح فرصاً لتطوير زراعة الكروم والإنتاج داخل البيوت البلاستيكية والتجارة والخدمات اللوجستية. وتزداد قيمة دانيلوفغراد بفضل موقعها الاستراتيجي بين أكبر مدينتين في البلاد. وتملك تشيتينيه إمكانات كبيرة في السياحة الثقافية والفنادق الصغيرة والبرامج الفنية والسياحة الذوقية المتخصصة.
وتحقق هذه المنطقة توازناً بين انخفاض كلفة الأراضي، وتوافر بنية تحتية متينة، وقوة الطلب، والنمو المستقر.
تجمع المنطقة الوسطى كل ما يقدّمه الجبل الأسود، في مساحة محدودة. فالبحر قريب، وكذلك الجبال والبحيرات ومواقع التنزّه، بينما تعيش المدن فيها الحياة بكل امتلائها. فالتاريخ والطبيعة والثقافة والطعام والناس والتقاليد، كلّها منسوجة في فسيفساء حيّة تترك أثراً بالغاً.
يمكن أن تكون الحياة هنا على الصورة التي تريدها. ففي بودغوريتسا سريعة وحديثة. وفي نيكشيتش راسخة وقوية. وفي دانيلوفغراد هادئة ومحورها الأسرة. وفي زيتا وتوزي متجذّرة في الأرض والتقاليد والطبيعة. وفي تشيتينيه مهيبة، مشبعة بإحساس التاريخ.