
الجبل الأسود بلد صغير، لكنه يحمل نفسه بهيبة وجهة كبرى. تكفي نظرة واحدة إلى الخريطة ليفهم المرء كم من العوالم احتشدت في هذا الحيز الضيق. بحر، وجبال، وبحيرات، وأخاديد، ومدن عتيقة، كلها تتجاور كما لو أنها تتنافس أيها يأسرك أولاً. ففي بلد لا تتجاوز مساحته ثلاثة عشر ألف كيلومتر مربع، تمتد سواحل تقارب ثلاثمئة كيلومتر، وترتفع جبال تتجاوز ألفين وخمسمئة متر، وتستقر أكبر بحيرة في البلقان، إلى جانب أخاديد تخطف الأنفاس.
في كل عام، يفد إلى هذا البلد عدد من السياح يفوق عدد سكانه. يأتي الناس من شتى أنحاء العالم بحثاً عن شيء يصعب اختزاله في الكلمات. فالجبل الأسود ليس وجهة لنمط واحد من المسافرين. هو للذين يحنون إلى البحر، كما هو للذين يطلبون الجبل. للباحثين عن العزلة بعيداً عن الزحام، وللشغوفين بالحيوية والنبض. لمحبي الترف، ولعشاق المغامرة. كل شيء هنا على مسافة ساعة من كل شيء آخر، وفي ذلك يكمن سحره.
الساحل هنا مكان يطيل فيه النهار مقامه أكثر مما ينبغي. في الصباح تسمع همس البحر، وعند الظهيرة يعلو فوق الكورنيش عبير الملح والصنوبر، وفي المساء تتلألأ المصابيح فوق الساحات الحجرية كأنها مقتطعة من بطاقة بريدية أوروبية قديمة. ولكل مدينة ساحلية شخصيتها الخاصة.
بودفا طاقة لا تنام. وكوتور عراقة تستقر بين الجروف والبحر. وأولسيني غروب يذوب في ألوان تذكّر بالصحراء الكبرى. وهرتسيغ نوفي تمشي بأناقة بين سلالمها وحصونها وروحها المدينية. وبار تفوح برائحة الزيتون. وتيفات رفاه حديث بين النخيل. أما بيراست فتبدو كأن الزمن توقف فيها عمداً ليصونها.
في الصيف تبلغ حرارة البحر بين أربع وعشرين وست وعشرين درجة مئوية، وغالباً ما يمتد موسم السباحة حتى أواخر أكتوبر. وهذا يعني أن الموسم ليس مجرد ومضة صيف، بل فسحة طويلة مشبعة برائحة الملح تمتد نصف العام.
وعلى هذا النحو، لا يختصر الساحل في الشواطئ وحدها. إنه إحساس. إيقاع لا يمكن تقليده.
إذا كان الساحل يتنفس عبير الملح، فإن المنطقة الوسطى تنبض بإيقاع مختلف تماماً. بودغوريتسا مدينة منبسطة تشقها الأنهار، وتستيقظ قبل سائر البلاد. فيها وجهها الحديث، ومقاهيها، وتقاليدها في صناعة النبيذ، وحدائقها الخضراء، وإيقاعها الذي يحب الحانات بقدر ما يحب المعارض الفنية.
أما تشيتينيه، العاصمة الملكية القديمة، فتحفظ روح الأمة كما لو كانت في صندوق من زجاج. يكفي أن تمشي في شارع نيغوشيفا حتى تشعر بتاريخ ما زال يتحرك ويحيا ويتكلم. وفي الصيف تتحول المدينة إلى خشبة مفتوحة. مسارح، ومتاحف، وحفلات موسيقية، ومهرجانات ثقافية، كلها تصنع طاقة لا تشبه شيئاً آخر في البلقان.
إنها منطقة تمزج بين الأصالة والحداثة، وتشكّل قاعدة مثالية لاستكشاف كل ما عداها.
كلما اتجهت شمالاً، تبدّل المشهد نبرته. ينسحب البحر، ويأتي هواء أبرد، وغابات الزان، والمراعي، والقمم الجبلية. هنا منطقة يعيش الناس فيها على مهل، لكنهم يشعرون بعمق أكبر.
يبدو دورميتور كأنه نُحت ليكون مسرحاً للمشاهد الملحمية. والبحيرة السوداء مرآة للسماء. وتارا نهر يأسر بصفاء مياهه وعمق أخدوده. أما جبال بروكليتييه فتقف كجدار أَلْبي يفصل بين الدول، لكنه يجمع المتنزهين من أنحاء العالم.
للشمال صمت ليس فراغاً، بل قوة. في الشتاء يدوم الثلج أشهراً، وتمتلئ مراكز التزلج بمن يحبون السرعة والأدرينالين، أو مجرد فرقعة النار في الأكواخ الجبلية. وفي الصيف يتحول كل شيء إلى مسرح واسع للرحلات، والمشي الجبلي، وركوب الدراجات، واكتشاف أماكن تبدو مناظرها كأنها لوحات.
في الجبل الأسود، لا يشبه متنزه وطني آخر. دورميتور يسلب الأنفاس بكتله الجبلية. وبيوغرادسكا غورا تصون واحدة من آخر الغابات البدائية في أوروبا. وبروكليتييه تقدم مشاهد تذكّر بجبال الألب. ولوفتشن يقف حارساً لخليج كوتور وللتقاليد المونتينيغرية. أما بحيرة سكادار فهي فردوس للطيور، والكروم، والجزر الخفية التي تحتضن أديرة عتيقة.
لكل واحد من هذه العوالم رائحته وصوته ومشهده. وفي بلد واحد، خمس بيئات مختلفة تماماً.
الجبل الأسود جنة للمسافرين النشطين. نهر تارا يقدّم تجربة تجديف تبقى في الذاكرة مدى الحياة. والمسارات الجبلية المعلّمة تمتد عبر مختلف السلاسل. والطيران الشراعي من براييتشي أو جابلياك يكشف مشاهد تعيد إليك الإيمان بالجمال. أما طرق الدراجات فتمر عبر الغابات، والمروج، والقرى، والهضاب المرتفعة.
وفي الشتاء، تفوح كل الأشياء برائحة الثلج، والشاي الساخن، والهواء النقي. وكولاشين وجابلياك تضمان مراكز تزلج تنمو وتتطور وتجذب مزيداً من الزوار عاماً بعد عام.
في السنوات الأخيرة، أصبح الجبل الأسود أيضاً وجهة فاخرة. بورتو مونتينيغرو، وبورتونوفي، ولوشتيتسا باي، وجزيرة مامولا، كلها أماكن تبدو كأنها لا تنتمي إلى بلد صغير، بل إلى قلب المتوسط المعاصر. فنادق فخمة، ومرافئ لليخوت، ومراكز عافية، ومطاعم راقية، ويخوت من الطراز العالمي، تصنع جميعها أجواء نخبوية لا تزال في اتساع متواصل.
ومع ذلك، لا يمحو الترف هنا الأصالة. فهي باقية في الحجر، وفي البحر، وفي الناس.
يتزايد عدد الزوار الذين يبحثون عن السكينة، والأصالة، والطبيعة. ولهذا أصبحت المنتجعات البيئية، والبيوت الريفية، والكاتونات المجددة، والفنادق البوتيكية الصغيرة، من أبرز عناصر القوة في السياحة المونتينيغرية.
أن تنام في بيت حجري في خليج كوتور، أو تستيقظ في كاتون على بييلاسيتسا، أو تتناول فطورك على ضفاف بحيرة سكادار، أو عشاءك في قرية إثنو، فهذه تجارب لا تقدر عليها كل وجهة.
السياح في الجبل الأسود لا يبحثون عن مشاهدة المعالم فحسب، بل يبحثون عن إحساس.
ذلك الإحساس حين تجلس في مقهى على البحر، وتشعر بالشمس وهي تنحدر ببطء. حين يصل إليك صوت غيتار من حانة قريبة في الخليج. حين تتحول بودغوريتسا إلى ليل نابض بالحيوية. وحين تشعر في أولسيني بالريح وهي تصنع سحرها المثالي لعشاق الكايت سيرف.
الحياة هنا تُعاش في الهواء الطلق. في المقاهي، وفي المطاعم، وعلى الشرفات المفتوحة، وعلى الشواطئ، وفي الجبال.
المهرجانات والاحتفالات والفعاليات تلوّن روزنامة البلاد. ليلة بوكيلسكا تضيء الخليج كأن النجوم هوت إلى البحر. وبار كرونيكل يحوّل الأسوار التاريخية إلى مسرح. وبورغاتورييه في تيفات يحمل الفن إلى المارينا. أما مهرجان هرتسيغ نوفي السينمائي فيصنع، عاماً بعد عام، ذلك الجو الصيفي القديم تحت السماء المفتوحة.
في بودغوريتسا تسمع الموسيقى الحية ذات الطابع الحضري، وفي كوتور الأوبرا، وفي تشيتينيه المسرح، وفي الشمال الفعاليات الإثنوغرافية ومهرجانات الطعام التقليدي.
الثقافة هنا تعيش، وتتنفس، وتمشي في الشوارع.
السائح في الجبل الأسود يأكل جيداً. مطبخ متوسطي على الساحل، وأجبان منزلية وسكوروب من الشمال، وزيتون ونبيذ من تسرمنيتسا، وسمك طازج من الأدرياتيكي، ولحم ضأن من المناطق الجبلية...
الطعام هنا جزء من هوية البلاد، وجزء من الحكاية التي ترويها عن نفسها. لا يهم إن كنت تأكل في حانة بحرية على الساحل، أو في مطعم مديني، أو في بيت ريفي. النكهة صادقة، بسيطة، وممتلئة.
لأن الجبل الأسود لا يحاول أن يكون شيئاً آخر.
ولأن طبيعته تبدو كما لو أنها لم تُمس.
ولأن أهله دافئون وصادقون.
ولأن البحر والجبل يعيشان متجاورين على نحو نادر.
ولأن الحياة هنا أبسط، والتجارب أشد كثافة.
ولأن شيئاً في داخلك يبقى متعلقاً بهذا المكان، بعد أن ترى غروب الشمس فوق خليج كوتور، أو صباحاً على دورميتور.
إذا رغبت في زيارة الجبل الأسود، فيمكنك القيام بذلك عبر شريكنا في السفر، DiscoverMNE.