
بقلم: Desanka Markuš Janković
حين يُذكر اسم الجبل الأسود في حديثٍ ما، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن عادةً هو الجبال، أو البحر، أو تاريخ عريق حافل بالأساطير. غير أنني، بوصفي ابناً لهذه الأرض، أعرف أن الجمال الطبيعي ليس أعظم كنوز بلدي ولا رمزها الحقيقي؛ فما كنت يوماً أعتز بشيء قدر اعتزازي بالهوية المونتينيغرية – روحٌ صاغتها قرون من النضال في سبيل الحرية، ورسّختها أواصر أسرية متينة، وتقاليد عريقة، ونظرة خاصة إلى العالم.
أردت في هذا النص أن أروي كيف يكون المرء مونتينيغرياً، وأن أُسلّط الضوء على تلك الخصال التي كثيراً ما تستوقف زوّار الجبل الأسود، فتثير إعجابهم وتستحق منهم عميق الاحترام.
لطالما احتلّ الشرف والكرامة مكانة فريدة في الجبل الأسود، وكانت الكلمة إذا قُطعت لا تُنقض. وما زال هذا الشعور حياً إلى اليوم، يتجلّى في الإجلال الذي يُكنّه الناس لإرثهم وأسرهم ومسقط رأسهم. ولا يزال المرء يسمع في الحديث اليومي قسم «u obraz» – القَسَم بالشرف – وهو من أوثق العهود على الصدق والوفاء بالوعد.
قلّما يبيت ضيفٌ في بيتٍ مونتينيغري جائعاً أو ظمآناً، فتقديم القهوة أو شرابٍ أو طعامٍ يُعدّ من صميم الترحيب واحترام الضيف. ويذكر كثيرٌ من الزوّار أن الضيافة كانت من أجمل ما حملوه معهم من ذكريات الجبل الأسود، وهي خصلة ضاربة الجذور في الماضي. وما زلت أذكر حكايات كبار السنّ في عائلتي: كيف كانت ألذّ لقمة تُحفظ للضيف حتى في أحلك أيام الحرب، تكريماً له، وحفاظاً في الوقت نفسه على «obraz» صاحب البيت – على وجهه وسمعته.
لا تزال الروابط الأسرية تحظى بمكانة عميقة. فغداء الأحد، ولقاءات العائلة، والتكافل المتبادل، كلها أمور منسوجة في نسيج الحياة اليومية لكثيرٍ من البيوت، ومن هذه "المناسبات" الصغيرة في ظاهرها أستمدّ بعض أعزّ ذكرياتي. وتُقام الأعراس وأعياد الميلاد وسائر الاحتفالات في الجبل الأسود بحيوية لافتة – صاخبة، حاشدة، مفعمة بالرقص والدفء – غير أن أجمل الذكريات العائلية كثيراً ما تُنسج حول مائدة بيت الوالدين، في يوم أحد أو عيد.
وإن تبدّلت أنماط الحياة، فما زال كثير من العادات القديمة في الجبل الأسود محفوظاً بمحبة. فالسلافا، والأعراس، والأغاني الشعبية، والأطعمة التقليدية، والاحتفالات المحلية، تبقى جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية، ولا تزال التقاليد تحتلّ مكانة موقّرة بين قيم المجتمع المونتينيغري المعاصر.
يعشق أهل الجبل الأسود قضاء الوقت مع الأصدقاء والأهل. فكثيراً ما يمتدّ فنجان القهوة في المدينة أبعد بكثير مما كان مقدّراً له، وتُعدّ اللقاءات العفوية أمراً مألوفاً تماماً. وهذا أيضاً مما لا ينفكّ الزوّار عن ذكره: مهما ضاق وقت المونتينيغري، سيبقى دوماً متّسعٌ لـ«دويتش» آخر مع صديق أو زميل أو جار…
الجبال والبحر والأنهار والقرى ليست مجرد مكوّنات لمشهد الجبل الأسود الخلاب، بل هي جزء من هويته. فكلّ مونتينيغري يعرف جذوره: أسماء أجداده، والقرى التي عاشوا فيها. وما زال كثيرون يشعرون برابطة عميقة مع موطنهم الأصلي حتى بعد أن قادتهم الحياة إلى أماكن أخرى؛ فهم يعودون إليه مراراً، ويتحدّثون عن أصولهم بفخرٍ هادئ.
إن كنت تستهويك الأحاديث الهادئة الطليقة، المفعمة بخفّة الظل والمداعبة والضحك، فسيكون وقتك مع أهل الجبل الأسود متعة حقيقية. فالقدرة على مواجهة أصعب لحظات الحياة بشيء من الخفّة والدعابة سمة تطبع كثيراً من المونتينيغريين. وهذه الروح تنمّ عن عزيمة لا تلين، وصلابة عنيدة، وقدرة على احتمال الشدائد، تجد أبلغ تعبير عنها في تلك العبارة المونتينيغرية الأصيلة «lako ćemo» – أي ما يقارب: «سنتدبّر أمرنا».
أن تكون مونتينيغرياً لا يعني ببساطة أن تعيش في الجبل الأسود، بل أن تكون أميناً على الشرف والتقاليد وقيم الأسرة والضيافة، وعلى علاقة خاصة بالحرية والكرامة. إنه يعني أكواباً لا تُحصى من قهوة «الدويتش» مع الأصدقاء، وغداء الأحد بين أفراد الأسرة، وحكايات الأجداد ومآثر العشيرة تُروى جيلاً بعد جيل، وابتسامة لا تغيب حتى في أحلك الأوقات، وحبّاً عميقاً راسخاً للأرض التي تدعوها وطناً.
المقالات الشائعة



المزيد من هذا الكاتب
